جدول واحد لكثافة سكان 21 بلدية في الرياض، لم تتغير فيه قيمة واحدة. غيّرنا طريقة تقسيم الفئات فقط، فخرجت ست خرائط تقول ستة أشياء مختلفة — وكلها صحيحة حسابياً.
خذ جدولاً واحداً لا يتغير: كثافة السكان في 21 بلدية من بلديات أمانة منطقة الرياض. لا تُضِف رقماً ولا تحذف بلدية ولا تبدّل لوناً. غيّر شيئاً واحداً فقط: الطريقة التي تُقسَّم بها القيم إلى فئات.
انظر إلى بلدية عرقة مثلاً: هي في الفئة الدنيا بطريقة الفئات المتساوية، وفي الفئة الثانية بطريقة الكمية، وفي الفئة الثالثة من خمس بطريقة الفاصل الهندسي. البلدية نفسها، والرقم نفسه (896 نسمة/كم²)، والخريطة تقول عنها ثلاثة أشياء مختلفة.
التصنيف ليس خطوة تجميلية تأتي بعد التحليل؛ التصنيف هو التحليل. من يختار حدود الفئات هو من يقرر ما الذي سيراه القارئ وما الذي لن يراه.
من أين جاءت المشكلة أصلاً؟
خريطة التوزيع النسبي (Choropleth Map)، ويسميها بعض الجغرافيين العرب خريطة الكوروبلث أو خريطة التظليل المتدرج، تقوم على فكرة بسيطة: وحدة إدارية، وقيمة إحصائية، ولون يتدرج مع القيمة.
المشكلة أن عين الإنسان لا تميّز إلا عدداً محدوداً من درجات اللون — ست إلى ثماني درجات في أحسن الأحوال — بينما البيانات قد تحمل مئات القيم المختلفة. لذلك لا بد من ضغط القيم في فئات، وهنا تبدأ المفاضلة.
والأداة التي تحكم هذه المفاضلة هي المدرج التكراري (Histogram): شكل توزّع القيم. لا يمكن اختيار طريقة تصنيف مناسبة دون النظر إليه أولاً، تماماً كما لا يمكن اختيار إسقاط مناسب دون معرفة موقع منطقة الدراسة وامتدادها.
اللوحة الأولى (أ) تقول إن التوزيع ملتوٍ إلى اليمين بقوة: ثماني بلديات تحت 1,000 نسمة/كم²، وبلدية واحدة فوق 12,000. والدليل الرقمي أن المتوسط (3,405) أكبر من الوسيط (2,002) بنحو 70٪، ومعامل الالتواء +1.23. واللوحة اليسرى تُظهر أين تقع الفجوات الطبيعية التي ستستغلها طريقة جينكس لاحقاً.
قاعدة تسبق كل الطرق: لا تُمثّل عدداً مطلقاً
قبل الحديث عن أي طريقة تصنيف، هناك خطأ يسبقها جميعاً ولا تُصلحه أي منها: تمثيل العدد المطلق على وحدات إدارية متفاوتة المساحة.
بلدية الشرق مساحتها 1,237 كم²، وبلدية حي السفارات 8.7 كم²، أي أن الأولى أكبر من الثانية 142 مرة. حين تُلوَّن بالعدد المطلق، يتحوّل اللون إلى دالة على المساحة لا على الظاهرة.
المثال الأوضح بلدية الروضة: هي الأولى في عدد السكان (1,263,117 نسمة) فتظهر في الفئة العليا بالخريطة الأولى، لكن مساحتها 357 كم² فكثافتها 3,542 نسمة/كم² فقط، أي الفئة الثانية من خمس. وفي المقابل بلدية البطحاء سكانها 509,137 نسمة — أقل من نصف الروضة — فتقع في الفئة الوسطى بخريطة العدد، وهي في الحقيقة الأعلى كثافة في المدينة كلها.
الكوروبلث للنسب والمعدلات والكثافات. أما الأعداد المطلقة فتُمثَّل برموز متدرجة الحجم (Graduated Symbols) أو بخرائط النقاط، إلا إذا كانت الوحدات متساوية المساحة تماماً كشبكة المربعات أو السداسيات.
بيانات الحالة
الطبقة المستخدمة هي حدود بلديات أمانة منطقة الرياض (أغسطس 2023)، وسكان عام 2022 من حقل الطبقة نفسها، والإسقاط UTM Zone 38N. المساحات محسوبة من الهندسة نفسها لا من حقل جاهز.
| البلدية | السكان 2022 (نسمة) | المساحة (كم²) | الكثافة (نسمة/كم²) |
|---|---|---|---|
| البطحاء | 509,137 | 39.3 | 12,966.4 |
| النسيم | 505,201 | 49.2 | 10,259.2 |
| الملز | 507,619 | 53.7 | 9,447.5 |
| العليا | 585,541 | 83.1 | 7,042.7 |
| العريجاء | 459,482 | 80.1 | 5,738.4 |
| الشميسي | 231,577 | 44.2 | 5,233.8 |
| المعذر | 236,786 | 48.1 | 4,927.5 |
| الروضة | 1,263,117 | 356.6 | 3,541.9 |
| الشفا | 296,964 | 108.2 | 2,744.4 |
| العزيزية | 374,482 | 181.7 | 2,060.7 |
| نمار | 470,238 | 234.9 | 2,002.2 |
| السلي | 457,673 | 271.0 | 1,688.8 |
| شمال الرياض | 789,723 | 484.0 | 1,631.7 |
| عرقة | 366,526 | 409.2 | 895.7 |
| حي السفارات | 5,470 | 8.7 | 626.7 |
| خشم العان | 37,755 | 128.2 | 294.5 |
| الشرق | 286,101 | 1,236.7 | 231.3 |
| مطار الملك خالد | 18,249 | 234.1 | 78.0 |
| العمارية | 48,376 | 1,014.9 | 47.7 |
| الدرعية | 16,309 | 565.6 | 28.8 |
| الحائر | 6,202 | 361.6 | 17.2 |
| الإجمالي / المتوسط | 7,472,528 | 5,993.1 | 1,246.8 |
جدول 1: بلديات مدينة الرياض مرتبة تنازلياً حسب الكثافة السكانية، ومصدرها أمانة منطقة الرياض (2023) والهيئة العامة للإحصاء (2022).
لاحظ أن إجمالي الطبقة 7,472,528 نسمة، بينما تعداد 2022 الرسمي لمدينة الرياض نحو 7,009,100 نسمة. الفارق طبيعي لأن أرقام الأحياء تقديرية ومجمّعة، ولا يؤثر على غرض المقال لأن المقارنة بين الطرق تجري على البيانات نفسها.
قاعدة ثانية: حدود الوحدة تصنع النتيجة
الكثافة في «البطحاء» ليست حقيقة مطلقة عن سكانها، بل نتيجة لخط الحدود الذي رُسم حولها. وهذه هي مشكلة الوحدة المساحية القابلة للتعديل (Modifiable Areal Unit Problem – MAUP): القيمة المحسوبة تتغير بتغير حجم الوحدة وشكل حدودها، حتى لو لم يتحرك ساكن واحد.
والبرهان في الشكل التالي، وهو مبني على طبقة الأحياء نفسها مُجمَّعة صعوداً إلى بلديات ثم إلى قطاعات، فالسكان في اللوحات الثلاث رقم واحد لا يتغير.
انظر إلى المدى: على مستوى الأحياء تصل الكثافة القصوى إلى 43,846 نسمة/كم²، وعلى مستوى البلديات تهبط إلى 12,077، وعلى مستوى القطاعات إلى 6,679 فقط. التجميع يبتلع التطرف: كلما كبرت الوحدة اختفت القمم والقيعان وبدت المدينة متجانسة. ولهذا السبب لا يصح أبداً مقارنة خريطة كثافة على مستوى الأحياء بأخرى على مستوى البلديات.
ماذا تفعل عملياً؟ اذكر مستوى التجميع صراحةً في عنوان الخريطة وفي التقرير؛ ووحّد المستوى قبل أي مقارنة بين منطقتين أو بين سنتين؛ وإن كان الغرض تحليلياً لا عرضياً فاستخدم شبكة منتظمة (مربعات أو سداسيات) لأنها تحيّد أثر تفاوت أحجام الوحدات الإدارية.
مجموع سكان طبقة الأحياء 6,666,517 نسمة، بينما حقل السكان في طبقة البلديات يعطي 7,472,528. استُخدمت طبقة الأحياء وحدها في شكل 5 حتى يكون المجموع واحداً في اللوحات الثلاث، وهذا الفارق نفسه تذكير بأن مصدر الحقل يُراجَع قبل أي حساب كثافة.
الطرق واحدة واحدة
الفئات المتساوية — Equal Interval
الفكرة: يُقسَّم المدى كله إلى فئات متساوية العرض، بصرف النظر عن عدد القيم داخل كل فئة.
الخطوات: طول الفئة = (أكبر قيمة − أصغر قيمة) ÷ عدد الفئات، ثم تُبنى الحدود بالتراكم من أصغر قيمة.
تناسب: البيانات الموزعة بانتظام، والمقاييس التي يعرفها القارئ سلفاً مثل النسب المئوية ودرجات الحرارة ونسب الانحدار (Slope)، لأن حدود الفئات تأتي أرقاماً مألوفة.
عيبها: مع البيانات الملتوية تتكدس معظم الوحدات في فئة واحدة وتبقى فئات شبه فارغة، فتضيع التفاصيل.
على بيانات الرياض: طول الفئة 2,590 نسمة/كم²، فوقعت 12 بلدية من 21 في الفئة الأولى، وبقيت بلدية واحدة وحيدة في الفئة العليا. الخريطة صحيحة حسابياً لكنها تُخفي كل التباين داخل الثلثين الأدنى.
الكمية — Quantile
الفكرة: يتساوى عدد الوحدات في كل فئة لا عرض الفئة. وتُترجم أيضاً بـ«الشرائح المتساوية» أو «الكمّيات»، والمقصود واحد.
الخطوات: تُرتَّب القيم تصاعدياً، ثم يُقسَّم عددها على عدد الفئات، ويكون الفاصل عند كل مجموعة.
تناسب: الترتيب النسبي: من في الخُمس الأعلى ومن في الخُمس الأدنى، ومقارنة الوحدات بعضها ببعض لا بقيمها المطلقة. مفيدة جداً في تقارير أولويات التدخل.
عيبها: قد تفصل قيمتين متقاربتين جداً في فئتين مختلفتين، وتجمع قيمتين متباعدتين في فئة واحدة، فتبدو الخريطة أكثر تدرجاً من الواقع.
على بيانات الرياض: خريطة متوازنة بصرياً (5 و4 و4 و4 و4 بلديات)، لكن الفئة الأخيرة تمتد من 5,738 إلى 12,966 — أي أنها تضع العريجاء والبطحاء في لون واحد رغم أن الثانية أكثف بمرتين وربع.
الفواصل الطبيعية (جينكس) — Natural Breaks (Jenks)
الفكرة: تبحث الطريقة عن التجمعات الطبيعية في البيانات نفسها، فتضع الحدود عند الفجوات الكبيرة.
الخطوات: خوارزمية تكرارية تختار الحدود التي تُصغّر التباين داخل الفئات وتُكبّر التباين بينها، وهي الافتراضي في ArcGIS Pro.
تناسب: أغلب خرائط التوزيع السكاني والاقتصادي، وكل بيانات لها تجمعات واضحة. هي الخيار الافتراضي العملي في مشاريع التخطيط.
عيبها: حدود الفئات تتغير مع أي تغيّر في البيانات، فلا تصلح لسلسلة خرائط زمنية أو لمقارنة منطقتين إلا إذا ثُبّتت الحدود يدوياً.
على بيانات الرياض: أفضل جودة بين الطرق الست (GVF = 97.8٪). وضعت الفواصل عند 896 و3,542 و7,043 و10,259، وكلها تقع داخل فجوات حقيقية في البيانات كما يظهر في شكل 2.
الفاصل الهندسي — Geometric Interval
الفكرة: تتزايد أطوال الفئات وفق متوالية هندسية بدل المتوالية الحسابية، فتضيق الفئات عند القيم الصغيرة وتتسع عند الكبيرة.
الخطوات: تحدد الخوارزمية معاملاً هندسياً يقلل مجموع مربعات عدد العناصر في كل فئة، ويجوز أن ينقلب المعامل إلى مقلوبه مرة واحدة لتحسين الحدود.
تناسب: البيانات شديدة الالتواء التي تكثر فيها القيم الصغيرة المتقاربة، مثل كثافات الأمطار وتركّز الملوثات وأعداد الحوادث.
عيبها: حدود الفئات تأتي أرقاماً غير مستديرة يصعب شرحها لغير المتخصص.
على بيانات الرياض: أظهرت تفاصيل البلديات الطرفية منخفضة الكثافة التي ابتلعتها الطرق الأخرى، لكن ثماني بلديات تجمّعت في الفئة العليا فصارت وسط المدينة كتلة واحدة، وانخفضت الجودة إلى 74.7٪ — وهي أقل قيمة في المقارنة.
الانحراف المعياري — Standard Deviation
الفكرة: لا تمثّل الخريطة القيم نفسها، بل بُعد كل وحدة عن المتوسط العام مقيساً بالانحراف المعياري.
الخطوات: يُحسب المتوسط والانحراف المعياري، ثم تُبنى الحدود عند مضاعفات الانحراف (1 أو ½ أو ⅓ انحراف) صعوداً وهبوطاً من المتوسط.
تناسب: إبراز الشذوذ والتطرف: من يفوق المتوسط كثيراً ومن يقل عنه كثيراً. ويُنصح معها بتدرج لوني متباعد (Diverging) لا متتابع.
عيبها: تفترض توزيعاً قريباً من الطبيعي، وتفقد معناها مع التوزيعات الملتوية. وهي حساسة للقيم الشاذة حساسية مضاعفة، لأن القيمة المتطرفة تسحب المتوسط والانحراف المعياري معاً نحوها، فتتضخم الفئات ويختفي تباين بقية الوحدات. كما أن القارئ العادي لا يقرأ «انحراف معياري» بسهولة.
على بيانات الرياض: المتوسط 3,405 والانحراف المعياري 3,707، أي أن الانحراف أكبر من المتوسط — علامة واضحة على الالتواء. النتيجة: 13 بلدية في فئة واحدة تحت المتوسط، وهو ما يجعل الطريقة غير مناسبة هنا رغم أنها كشفت البطحاء كقيمة متطرفة.
الفاصل المحدد واليدوي — Defined / Manual Interval
الفكرة: يحدد الخرائطي طول الفئة بنفسه (الفاصل المحدد) أو يكتب الحدود واحداً واحداً (اليدوي).
الخطوات: في الفاصل المحدد تُدخِل رقماً واحداً — مثل 3,000 — فيبني البرنامج الفئات بهذا الطول. وفي اليدوي تُكتب الحدود كما تريد.
تناسب: سلاسل الخرائط الزمنية، ومقارنة مدينتين، والمعايير المعتمدة مسبقاً (معايير الكثافة في الدليل التخطيطي، حدود المخاطر، عتبات المعالجة).
عيبها: قد تنتج فئات فارغة أو غير متوازنة إن لم تُختر الحدود بعناية، وتتطلب معرفة مسبقة بالبيانات.
على بيانات الرياض: بفاصل 3,000 صارت الحدود أرقاماً مستديرة سهلة الشرح (3,000 و6,000 و9,000 و12,000)، بجودة 95.2٪ — قريبة من جينكس — مع ميزة أنها قابلة للتثبيت عبر سنوات مختلفة.
التدرج المستمر بلا فئات — Unclassed
خيار سابع لا يُعَدّ طريقة تصنيف أصلاً: يُربط اللون بالقيمة ربطاً خطياً مستمراً بلا حدود. يصلح للخرائط التفاعلية على الويب حيث يستطيع القارئ أن يمرر المؤشر ليقرأ القيمة الدقيقة، ويصلح لخريطة مرجعية كشكل 4 في هذا المقال. أما في التقارير المطبوعة فهو أضعف، لأن العين لا تستطيع تحويل درجة لونية إلى رقم بدقة.
وللإنصاف، لهذا الخيار مدرسة أكاديمية قوية بدأها والدو توبلر سنة 1973 في ورقته «خرائط كوروبلث بلا فئات؟»، وحجتها أن أي تصنيف — جينكس منه — يفرض على الخريطة حدوداً لا وجود لها في الواقع ويحجب التباين داخل الفئة الواحدة. أي أن التصنيف في جوهره تنازل عن دقة البيانات مقابل سهولة القراءة، والقرار يعتمد على أيهما أهم في هذه الخريطة بالذات.
المقارنة في جدول واحد
| الطريقة | حدود الفئات (نسمة/كم²) | عدد البلديات في كل فئة | الجودة GVF |
|---|---|---|---|
| الفئات المتساوية | 2,607 | 5,197 | 7,787 | 10,377 | 12 – 3 – 3 – 2 – 1 | 95.9٪ |
| الكمية | 231 | 1,632 | 2,744 | 5,738 | 5 – 4 – 4 – 4 – 4 | 92.3٪ |
| الفواصل الطبيعية | 896 | 3,542 | 7,043 | 10,259 | 8 – 6 – 4 – 2 – 1 | 97.8٪ |
| الفاصل الهندسي | 65 | 243 | 915 | 3,444 | 3 – 2 – 3 – 5 – 8 | 74.7٪ |
| الانحراف المعياري | 3,405 | 7,112 | 10,819 | 13 – 5 – 2 – 1 | 93.9٪ |
| الفاصل المحدد (3,000) | 3,000 | 6,000 | 9,000 | 12,000 | 13 – 4 – 1 – 2 – 1 | 95.2٪ |
جدول 2: نتائج الطرق الست على كثافة بلديات الرياض بخمس فئات، والقيمة الأعلى للجودة هي الأفضل.
كيف تحكم على التصنيف برقم؟
المقياس الأشهر هو جودة ملاءمة التباين (Goodness of Variance Fit – GVF). فكرته بسيطة: احسب مجموع مربعات انحرافات كل القيم عن المتوسط العام، ثم احسب مجموع مربعات انحرافات كل قيمة عن متوسط فئتها. كلما صغر الثاني مقارنة بالأول كان التصنيف أفضل.
GVF = 1 − ( SDCM ÷ SDAM )
SDAM = مجموع مربعات الانحرافات عن المتوسط العام
SDCM = مجموع مربعات الانحرافات عن متوسطات الفئات
قيمة GVF تتراوح بين صفر وواحد، وكلما اقتربت من الواحد كان التصنيف أدق تمثيلاً للبيانات. وهي بطبيعتها تنحاز لطريقة جينكس لأن جينكس مصممة لتعظيمها، لذلك تُقرأ مع المنطق التخطيطي لا وحدها.
والسؤال الثاني: كم فئة؟ الإجابة العملية من خمس إلى سبع فئات. أقل من ذلك يفقد التفاصيل، وأكثر منه يتجاوز قدرة العين على التمييز — وقد نبّه إلى ذلك دكنسون منذ 1974 حين حدد السقف بثماني إلى عشر درجات.
استُخدمت في هذا المقال خمس فئات لا ست، لأن عدد الوحدات 21 فقط؛ ومع ست فئات يصبح متوسط الفئة ثلاث بلديات ونصفاً، وتظهر فئات بوحدة واحدة يصعب تبرير وجودها. القاعدة العملية: لا تجعل عدد الفئات يقترب من جذر عدد الوحدات كثيراً.
الألوان نصف التصنيف
حدود الفئات تحدد من يقع مع من، لكن التدرج اللوني هو الذي يقرر هل يرى القارئ الفرق أصلاً. وأول قاعدة أن يطابق نوع التدرج نوع البيانات: متتابع (Sequential) للقيم المتصاعدة كالكثافة، ومتباعد (Diverging) للتغير حول قيمة مرجعية كالمتوسط أو الصفر، ونوعي (Qualitative) للفئات غير المرتبة كاستعمالات الأراضي.
والقاعدة الثانية ألا تُؤخذ التدرجات الافتراضية للبرنامج على عِلّاتها. المرجع العملي هنا هو ColorBrewer الذي بنته سينثيا بروير، وتدرجاته مدمجة أصلاً في ArcGIS Pro، وميزته أن الفرق الإدراكي بين كل فئتين متجاورتين متساوٍ تقريباً، وأن كثيراً منها آمن لمن لديهم عمى ألوان (Colorblind-safe).
التدرج المستخدم في خرائط هذا المقال أصفر-برتقالي-أحمر (YlOrRd) من ColorBrewer، وهو متتابع أحادي الاتجاه يتغير فيه اللون والإضاءة معاً، ولذلك يبقى مقروءاً عند الطباعة بالأبيض والأسود وعند عمى الألوان الأحمر-الأخضر. أما التدرجات التي تعتمد على الصبغة وحدها — أحمر مقابل أخضر بإضاءة متساوية — فتتحول عند نحو 8٪ من الذكور إلى لونين لا يُفرَّق بينهما.
أربع حالات تطبيقية
حالة 1 — منشور للجمهور عن التركز السكاني في الرياض. الهدف إيصال رسالة واحدة بسرعة: أين يتكدس السكان فعلاً. الاختيار: الفواصل الطبيعية بخمس فئات. السبب: أعلى جودة تمثيل، والخريطة تُظهر النواة التاريخية (البطحاء والملز والنسيم) متميزة عن بقية المدينة بلا افتعال.
حالة 2 — مقارنة كثافة الرياض بين 2010 و2022. الهدف قياس التغير لا وصف سنة واحدة. الاختيار: الفاصل المحدد 3,000 مثبَّت على السنتين. السبب: لو استُخدمت جينكس لكل سنة على حدة لاختلفت الحدود بين الخريطتين، فيبدو التغير في مكان لم يتغير، وهذا أسوأ أنواع التضليل الخرائطي.
حالة 3 — تقرير لأمانة المنطقة لترتيب أولويات الخدمات. الهدف تحديد البلديات التي تستحق التدخل أولاً. الاختيار: الكمية بخمس فئات. السبب: التقرير يحتاج «الخُمس الأعلى ضغطاً على الخدمات» لا القيم المطلقة، والكمية تضمن أن كل فئة تحتوي وحدات فعلية قابلة للجدولة والميزنة.
حالة 4 — كشف القيم الشاذة قبل بناء نموذج مكاني. الهدف فحص البيانات لا نشرها. الاختيار: الانحراف المعياري بتدرج متباعد. السبب: يُظهر البطحاء فوق المتوسط بأكثر من 2.5 انحراف معياري، فيلفت النظر إلى قيمة قد تشوّه أي انحدار مكاني أو تحليل جوار لاحق.
أخطاء شائعة تتكرر
- تمثيل الأعداد المطلقة بالكوروبلث على وحدات متفاوتة المساحة.
- قبول الفئات الافتراضية للبرنامج دون فتح المدرج التكراري ولو مرة.
- تغيير حدود الفئات بين خرائط السلسلة الواحدة، فتبدو فروق غير موجودة.
- استخدام أكثر من ثماني فئات ظناً أن التفصيل الأكثر معلومات أكثر.
- ترك حدود غير مستديرة مثل 2,607.04 في مفتاح خريطة موجهة لغير المتخصصين.
- تكرار قيمة الحد بين فئتين متتاليتين، فلا يعرف القارئ أين تقع القيمة نفسها.
- وجود فئة فارغة في المفتاح لا تقابلها وحدة واحدة على الخريطة.
- استخدام تدرج لوني متباعد لبيانات متتابعة، أو العكس.
- حساب الكثافة على إسقاط لا يحفظ المساحة مثل Web Mercator في المقاييس الصغيرة.
- اعتبار القيمة صفةً مطلقة للسكان لا نتيجةً للتقسيم الإداري، وتجاهل أثر الوحدة المساحية (MAUP).
- اختيار تدرج لوني غير متوافق مع الإدراك البصري أو غير آمن لمن لديهم عمى ألوان.
- عدم ذكر طريقة التصنيف وعدد الفئات في التقرير، فيستحيل تكرار العمل أو مراجعته.
خطوات التنفيذ في ArcGIS Pro
- انقر الطبقة بالزر الأيمن ثم Symbology، واختر Graduated Colors.
- اختر الحقل في Field، وإن لم يكن حقل الكثافة موجوداً فاستخدم Normalization بحقل المساحة.
- افتح تبويب Histogram لترى شكل التوزيع قبل اختيار الطريقة.
- اختر الطريقة من Method وعدد الفئات من Classes.
- اضبط حدود الفئات يدوياً بالنقر المزدوج على القيمة إن أردت أرقاماً مستديرة.
- راجع Advanced symbology options لضبط اتجاه التدرج اللوني.
خريطة ذهنية للاختيار
خلاصة في اثني عشر سطراً
- التصنيف قرار تحليلي، لا خطوة تجميلية.
- افتح المدرج التكراري قبل أن تختار الطريقة، دائماً.
- لا تمثّل عدداً مطلقاً على وحدات متفاوتة المساحة.
- الفواصل الطبيعية خيار افتراضي جيد لخريطة مفردة.
- الفاصل المحدد أو اليدوي هو الخيار الصحيح لأي سلسلة أو مقارنة.
- الكمية للترتيب النسبي، لا لوصف القيم.
- الانحراف المعياري لكشف الشذوذ، ومع تدرج متباعد.
- من خمس إلى سبع فئات، ومردود ما بعدها ضئيل.
- قِس جودة التصنيف بـ GVF ولا تكتفِ بالانطباع البصري.
- اذكر مستوى التجميع، فالحدود الإدارية تصنع القيمة قبل أن يصنعها التصنيف.
- اختر التدرج اللوني من ColorBrewer ولا تقبل الافتراضي كما هو.
- اكتب في التقرير: الطريقة، وعدد الفئات، والحقل، والإسقاط — وإلا فالعمل غير قابل للمراجعة.
المصادر
- الزيدي، نجيب عبدالرحمن. استخدام GIS في إعداد خرائط الكوروبلث لسكان محافظة صلاح الدين، مجلة جامعة تكريت للعلوم الإنسانية، المجلد 16، العدد 2، 2009.
- وثائق Esri الرسمية: Data classification methods, ArcGIS Pro.
- Jenks, G. F. The Data Model Concept in Statistical Mapping, International Yearbook of Cartography, 1967.
- Dickinson, G. C. Statistical Mapping and the Presentation of Statistics, 1974.
- Coulson, M. In the Matter of Class Intervals for Choropleth Maps, Cartographica, 1987.
- Openshaw, S. The Modifiable Areal Unit Problem, CATMOG 38, Geo Books, 1984.
- Tobler, W. R. Choropleth Maps Without Class Intervals?, Geographical Analysis, 5(3), 1973.
- Brewer, C. A. A Transition in Improving Maps: The ColorBrewer Example, Cartography and Geographic Information Science, 30(2), 2003.
- الهيئة العامة للإحصاء، تعداد السعودية 2022.
- أمانة منطقة الرياض، طبقة حدود البلديات، أغسطس 2023.
جميع الخرائط في هذا المقال مُنتَجة من البيانات الأصلية مباشرة، وحدود الفئات المذكورة محسوبة لا منقولة.
أُعدّ الطبقات مقتطعة ومنظّفة ومرفقة ببياناتها الوصفية — تصفّح المكتبة أو اطلب منطقة الدراسة.